أدب الرحلة : رحلة الشيخ محمد ابراهيم “رفع الحرج وتيسير الحج”

1 – معنى أدب الرحلة :

الرحلة صنف أدبي يبرز أحوال الناس من حيث التاريخ والجغرافية وأنماط السلوك والتفكير والمعيش الاقتصادي والتجارة ،ناهيك عن العادات والتقاليد. ويعرض لنا ثقافة و حضارة ومدنية قوم ما، ويقدم لنا معلومات عن أفكارهم و أخلاقهم و أسلوب حياتهم ومعيشهم. وفي ظل غياب أدوات الاتصال كانت الرحلات مصدرا مهما وأساسيا لنقل والحصول على هذه المعلومات والمعارف.
يعرف ابن منظور الرحلة بقوله : ” الرحلة في اللغة الترحيل والارتحال ،بمعنى الأشخاص ،يقال رحل الرجل اذا سار “1
واصطلاحا :”أدب الرحلات مجموعة من الآثار الأدبية التي تتناول انطباعات المؤلف عن رحلاته في بلاد مختلفة ،وقد يتعرض فيها لوصف ما يراه من عادات وسلوك وأخلاق” 2

2 –دواعي الرحلة :

حث الاسلام على السياحة والسفر لأسباب متعددة ومختلفة مثل التأمل في المخلوقات، والعبرة من آثار الأمم البائدة وقد وردت في القرآن الكريم عدة آيات تقول :”فسيروا في الارض فأنظروا كيف كان عاقبة المكذبين “3

3- رحلة الشيخ محمد ابراهيم بن الشيخ ماءالعينين:

بدأت رحلة الشيخ محمد ابراهيم إلى الديار المقدسة سنة 1350هجرية الموافق ل1931م. تتميز رحلته بغزارة المعلومات والمشاهدات التي حاول المؤلف تسجيلها وقد وفق في ذلك.
لقد غادر بلدته المعروفة بالجريف المتواجدة بمنطقة أدرار ،وقد غاب سنة كاملة في رحلته ليعود إلى بلاد سوس العالمة والعامرة آنذاك والتي كانت في تلك الفترة محج أهل الصحراء والشناقطة الموريتانيين.
في رحلته انتقل إلى أهم حواضر الصحراء التاريخية كالداخلة والطرفاية، وفي طريقه تعرض للكثير من المعيقات التي لم تحد من طموحه وأمنيته .وقد تمتلك إرادة رجل يرغب في زيارة الأماكن المقدسة والشوق للمقام النبوي الشريف.
مهما كانت الظروف العصيبة التي مر بها الشيخ الجليل، مثل ضياع نفوذه وسرقة جماله. لكن ذلك كله لم يثنه، بل واصل طريقه متوكلا على الله تعالى كحال الصوفية وكبار العباد والزهاد وهو الصوفي المتعبد الناسك المنتمي روحيا وجسديا للمدرسة المعينية التي أسسها والده الشيخ ماءالعينين.
غادر الدارالبيضاء قادما من سوس وحط الرحال بالرباط. وفي ترحاله سجل أهم لقاءاته وزياراته لزوايا والده المنتشرة، وقد تفقد موارده وتلامذته ومن بلغته دعوة والده الروحية والفكرية والجهادية.
وصف صاحب الرحلة أحوال البلاد التي مر بها قبل انطلاقته : ” خرجنا من بعص أهلنا اخر جمادى الأولى عام 1350هجرية قريبا من أجريف ،وهو موضع بباطن أدرار، وادرار جبل عظيم ،كثير النخل ،ذو مياه كثيرة في القطر الصحراوي ،وفيه شنقيط ” 4.
ووصف طرفاية بقوله : ” ..وهي مرسى بشاطئ البحر.. وفيها ايضا اسبانيا ” 5
يذكرنا الشيخ الرحالة بتفقده لإخوته وأقاربه كزيارة لابن أخيه القطب العارف بالله الفضيل بن الشيخ اشبيهنة ولقاءه بأخيه الرباني الشيخ محمد الاغظف ،وبعد ذلك كشف لنا استعداده للحج ” فاشتغلت في أخذ التصاريح للحج من عند اصبانيا شهر شوال كله ،فيسرها الله بمنه وكرمه ،وجعلوا فيها صورتي وما احتاج إليه من أمن وغيره الى مكة ذهابا وايابا وفيه ركوبي في الطيار الى الدار البيضاء ” 6
أرخ للمرحلة الاستعمارية مبينا سياسة التعامل الإسبانية وكيف تتحكم في تصاريح السفر، وسيطرتها على المنافذ البحرية وهي استراتيجيات للتحكم تجيدها اسبانيا .

4 –واصل الرحلة متوكلا على الله:

ضاعت الإبل والمال لكن الرحالة المشتاق للحضرة النبوية لم يتقاعس ولم يتراجع رغم تغير الزمن وتبدل الأحوال عن التوجه بقلب سليم وتوكل عظيم ” لم أخبر أحدا مما ضاع مني والحال والله أنه لم يبق بيدي درهم واحد فما وفقه” 7
مقام التوكل عند الزهاد وخاصة المتصوفة تفويض الامور الى الله وأصله علم العبد بأن الحادثات كلها حاصلة من الله تعالى ،وأنه لايقدر احد على الايجاد غيره. 8
عندما يختار التوكل فإنه يشعر براحة نفسية ويجد بدل هذا نسيم القرب وزوائد الأنس بنسيان كل أرب.
طنجة كمحطة أخيرة لمغادرة البلاد والتوجه صوب الأماكن المقدسة ،قلبه يشعر بالاطمئنانية على الرغم من مغادرة سفن الحجيج. لقد وجد أخيرا بعد طول معاناة اقتضتها ظروف المغرب آنذاك تذكرة سفر إلى ميناء مارسيليا ومنها للإسكندرية وجدة.

 

5- اللقاءات والحوارات : مغاربة وشناقطة:

التقى الشيخ في رحلته إلى الأماكن المقدسة بشخصيات مغربية تنتمي للمجال السياسي وأخرى ذات قيمة دينية. فقد زار زوايا والده الشيخ ماءالعينين وهذه إشارة لانتشار الفكر المعيني ووجود المئات من أنصاره وتلامذته. بل منهم من تقلد مناصب علية وسامية كشف عنها الشيخ في كتابه هذا،منهم على سبيل المثال لا الحصر.
عبد القادر الفكيكي من كبار مريدي الشيخ ماءالعينين ،واحد مهندسي قلعة السمارة العلمية. كما اجتمع مع الكتانيين. يقول صاحب الرحلة :” ..وسرنا في الحين إلى طنجة في عشرين من ذي القعدة ،فوجدنا السيد المهدي 9
وصرنا رفقة واحدة ،ففرحوا بنا غاية واظهروا لنا الخاصية التي بين والدنا- يقصد الشيخ ماءالعينين -والتي بينهم وبين أخينا العالم العلامة سيدنا ومولانا الشيخ أحمد الهيبة“10

 

6 -في الطريق:
قادته السفينة إلى مارسيليا ومكث فيها ستة أيام وقبل الشروق وصلت إلى الإسكندرية. على أن دخولهم التراب المصري يشترط الحصول على رخصة وتقديم مبلغ مالي على سبيل المضامنة “كأنها ضامنة عليه في كل نائبة تنوبه من جناية ودين وغير ذلك ،فإذا رجع ولم ينبه شئ دفعت له.. “.
تقدم المضامنة لنائب الانجليز والمقصود به ضابط الأمن البريطاني المكلف بمهمة مراقبة الميناء. وهنا يحكي الشيخ الرحالة عن فترة الاستعمار لمصر وسيطرة جيوشها على المنافذ البحرية والبرية. وتضمن هذه السيطرة مراقبة الحجيج والتجارة.
انطلقت السفينة ( البابور) متجهة نحو مكة المكرمة .وقد تحولت لصالون للعلم والمذاكرة ،فقد أجرى الشيخ على هامش رحلته سلسلة من اللقاءات العلمية مجتمعا بذلك مع العديد من أهل العلم والفكر وهم في الطريق إلى الحج وكأن الأقدار الإلهية برمجت لهذه اللقاءات النوعية ،وما فرقته الأيادي الاستعمارية وحده الشوق لزيارة المقام الشريف. يحكى الشيخ محمد إبراهيم لقاءه مع محمد بركات ” والتقينا في السفينة مع أحد علماء الشام ،يقال له السيد محمد بركات ،دمشقي وطنا وجدناه يعلم الناس مناسكهم ،وهو شافعي المذهب “.11

من هو محمد بركات؟
محمد بركات بن محمد جعفر الشافعي الدمشقي ولد في دمشق – سوريا حاليا -سنة 1306ه 1889م
تلقى العلم عن معاصريه من العلماء كالشيخ بدر الدين الحسنى والشيخ آمين سويد .

 

7 –متابعة الرحلة :
لقد اجتمعت الأقوام المسلمة في سفينة الشيخ محمد ابراهيم، أجناس مختلطة من كل الأمم ” والحجاج الذين معنا في البابور تزيد على 600 من جميع الناس كالأتراك والهند والشام وبخارى وأهل مصر والمغرب، ولم يكن من جنس الشناكطة غيري“12
تواصل صاحب الرحلة مع رجال الدين وأهل العلم ممن كانت لهم معرفة مسبقة بوالده الشيخ ماءالعينين ،وهنا يذكرنا بالمجال الأوسع لتأثير والده في تلك الفترة واهتمام العلماء بفكره وعلمه وطريقة تصوفه تلك الطريقة الصوفية التي تجمع بين العلم والذكر والجهاد. فقد صاحب الرحلة بالشيخ حمدان التونسي وهو محدث بالحرمين الشريفين الذي إصطحبه إلى مريدي والده كإبن الأمين الجكني واحمد السنوسي (ابن عم ادريس السنوسي )،واصفا حسن الاستقبال وتكريمهم لأهل العلم والصلاح.
اجتمع بمحمد الفاسي وسيدي محمد الكتاني.

 

8- طبائع الأهل وطبيعة الأرض:
وصف لنا الشيخ الرحالة طبيعة أهل مكة وجغرافيتها وأعلامها .فقد جالس مجموعة من الاعلام ” وفي مسجد الخيف التقينا مع بعض أجلاء منهم : عبد الحميد القوتي وأخوه محمد المجاور بمكة والشريف المعلى أمير الينبوع وجهينة ،وسيد احمد بن احمد بن داداه العلوي ،والسيد الزبير من قبيلة جاوا ومحمد يس التركي“13
فترة حج الشيخ محمد ابراهيم ،كانت الحجاج وبلاد مكة تحت حكم أسرة ال سعود الذين عرفوا بتشددهم ورفضهم للمذهبية ،لذلك لخص لنا الرحالة هذه الوضعية بحديثه عن رفض الوهابية السماح للحجيج بزيارة مقامات الصحابة للتبرك بها. *ص51

9-حان الرحيل :
بعد استكمال الشعيرة الدينية عاد الى المغرب. ومن ثم بدأت رحلة العودة .لقد منعوا من مواصلة رحلة الإياب، إلا بعد الخضوع لإجراءات طبية منها الفحص ” لأنهم يزعمون – آي الانجليز-أن كل قادم من الحجاج به مرض “14
تناول الشيخ في كتابه البروتوكول الصحي المتبع آنذاك من يقظة صحية واستنفار لمحاربة وتحييد الأمراض وفق سياسات صحية منها الحجر الصحي والمتابعة مع معاقبة كل رافض لهذه الإجراءات الوقائية وملاحقته قانونيا ” وليلتنا الأولى أتونا بقوارير الزجاج،لكل واحد قارورة يجعل فيها فضلاته لينظرها الطبيب ويختبر بها الصحة“15

 

10- مشاهدات من مصر ، عمارة وآثار :
في طريقه من و إلى مكة ، زار الشيخ مصر وحل بأهلها مرحب به. فقد زار المقامات الشريفة والمزارات المعروفة لدى المصريين. ناقلا مشاهدته ومتحدثا عن عظمة وتنوع الحضارة والثقافة المصرية .وفي فترة زيارته لها كانت القاهرة تعج بالعمارة .
التقى بشيوخ وأعلام القاهرة ،منهم الشيخ محمد بخيت مفتي الديار المصرية آنذاك ، وتوقف عند معالم المدينة .
زار مشهد الحسين ومزار السيدة زينب. ولم يستثني من زيارة أعلام المالكية والشافعية، بل وحدثنا عن آثار الفراعنة.
وشملت تحركاته في القاهرة ،تفقده مكتبة خان الخديوي والترحم على الفقيه الشيخ خليل والذي يعتبر من كبار فقهاء المالكية صاحب كتاب المختصر * الكاتب
واما مصر وعجائبها فإنها لا تحصى ،ولا بحد تستقصى ،ولا يعبر عنها الا من شاهدها ،ولا يدريها الا من رآها “16

 

11-عودة على بدء:
يمكن القول أن رحلة الشيخ كانت ممتعة بحق. لقد وجدنا فيها إصرار على الوصول إلى مكة رغم المعيقات والحواجز ،لسان حاله يردد ” لا تراجع ولا استسلام حتى نصل.. “* الكاتب
عاد الرحالة إلى المغرب وفي طريقه زار أماكن واستراحات وزوايا والده الشيخ ماءالعينين.


بقلم ذ.محمد الاغظف بوية
باحث وكاتب

هوامش:
1- ابن منظور : لسان العرب. دار صادر. بيروت 11ص276
2- إميل يعقوب وبسام بركة ومي شيخاني ،قاموس المصطلحات اللغوية والادبية.عربي انجليزي .دار العلم للملايين لبنان ص1 .1997ص250
3- سورة الانعام 11
4- الشيخ محمد ابراهيم :رفع الحرج وتيسر الحج. رحلة حجية. اعداد ماءالعينين مربيه رب. ص21
5- الشيخ محمد ابراهيم : رفع الحرج وتيسر الحج. رحلة حجية. اعداد ماءالعينين مربيه رب. ص 22
6- نفسه ص 24
7- نفسه ص24/25
8- انظر المصطلحات الصوفية لمحمد الاغظف بوية ..ص 12
9- المهدي: مولاي المهدي بن سيدي محمد الكتاني والده من اعلام المغرب.
10- الشيخ أحمد الهيبة : أديب وشاعر. قاد حركة المقاومة الجنوبية ضد التوغل الأجنبي. من أهم كتبه :” سرادقات الله الدافعات”، ” أجوبة فقهية ” و” سراج الظلم فيما ينفع المعلم والمتعلم”.
11- رحلة الشيخ محمد ابراهيم ص 33
12- نفسه ص33
13- نفسه ص50
14- نفسه ص75
15- نفسه ص 75
16- نفسه ص 76 /78..