عبد الله بن أحمدو المجلسي

وصف الشيخ أحمد بن الشمس في كتابه النفحة الأحمدية (ج2 ص73) العلامة الكبير عبد الله بن أحمدو المجلسي بقوله “ العلامة المشارك ذو الحفظ و التوسع في العلوم صاحب التأليف نظما و نثرا وجودة نظمه لا تكاد توجد، في الرجز و لا في غيره من البحور. و من أنظامه نظم المختصر و نظم في أحكام الحبس و نظم في مناقب الإمام مالك رحمه الله”.
كان من أكابر العلماء ومهرة الأدباء ، قال فيه صاحب تحفة الأكارم في أخبار آل محمد سالم عند ذكر ترجمته ، وأما عبد الله بن أحمدُ فأبو شبلين مقروح الجنان خبره شائع في كل بلد وزمان صديقي الشمائل عمري النصح لدين الله عثماني الصبر علي الإقدام خالدي الفتك عوفي الإنفاق طلحي العزم عبيدي الزهد سليماني الجد ذو فصاحة ونباهة ونطق صارم وفعل حازم وعبادة بها الشيطانَ و جنده هازم ذو خبرة بأنواع العلوم كلها، لاسيما علم القرآن من تأويل وسبب نزول وعموم وخصوص ونسخ وأحكام وغير ذلك ؛ وكان يقول إن معنى ألفاظ القرآن لا ينبغي لأحد جهلها وأعوذ بالله أن أنام وانا أجهل معنى آية من القرآن .

اذا أخذ في التفسير كأنما يُملي في أذنه عبد الله بن عباس رضي الله عنهما معاني القرآن وكان ذا عقل رجيح ونقل صحيح وفعل مليح فعال للخيرات يوافق معروفه الحاجة كأنه منبأ بخفيات الضمائر ومخبآت السرائر لا يجلس في مجلس عظماء ولا علماء ولا بلغاء ولا أدباء ولا فقهاء إلا أخذ زمامه في العلم والادب والظرافة وتدبير دنياه وأخراه ، وله في المحافل الراية التي لا تجهل والغاية التي الى محلها لا يتوصل ؛ جال في أكثر البلاد شرقا وغربا ولم يردع أنفه فهو الفحل الذي لا يقرع أنفه.
وأعطاه الله ملكة الكلام معقولا ومنقولا . وهو القائل :
ملكت يواقيت الكلام فكلما
دعوت خباياها أجابت نعم أجل
ولست بداع إن علي تنافرت
قوافي بديع الشعر في ساعة الكسل
خبيرا ونحريرا سميعا بصيرها
فتلك عيوب فيه لم تأت في المحل
انتهى ببعض تغييرٍ في بعض الألفاظ يسير . وما ذكره فيه كله صحيح ، لأني سمعت شيخنا أطال الله حياته يثني عليه بكثير من انواع الثناء علما وأدبا ورجولية وقوة وشجاعة وعزما وصبرا وغير ذلك مما لم يذكره من الأوصاف الحسنة إلا إجمالا.

وقد سمعته يقول فيه إن من رجوليته أنه يسافر من تيرس إلى اندر وحده و عنده دواب يحمل عليها فيجعل عليها أحمالها ويرجع بها وحده يحمل عليها ويحط حتى يقدم إلى اهله و من قضاياه في الشجاعة أنه أتاه بعض الأسود ليفترسه وهو نائم فأحس به وانتبه فتركه حتى قرب منه وأراد التقامه فضم يده على فمه ثم وثب عليه وركبه وامسك رقبته وضمها بيده حتى أثخنه خناقا ثم اضجعه وذبحه . ومنها وهي تدل على أن له سريرة مع الله أنه أتاه أسد ومعه رجل في سفر وأراد افتراسهما فصار كلما قرب منهما يتلقى له ويرده عنهما وإذا حان الوقت نزل عن دابته وصلى فيأتي الأسد ويقف بإزاءه ولا يتجاسر أن يقرب منه حتى يكمل صلاته ثم يركب وهكذا ولبثا يوما وليلة وهو معهما حتى قدما على حي ففارقهما وصاحبه لم ينزل عن دابته وقتا ما . وقد وقعت له في سفره هذا قضية عجيبة وهي أنهما عطشا بإزاء البحر الملح فصار هو يشرب منه في كل وقت ويتوضأ فقال صاحبه أي فرق بيني وبين عبد الله إن كلانا عالم ومؤمن وأتى البحر وشرب منه وبمجرد ما وصل جوفه أخذه القيء والمغص وأراد ان يموت فأخذه عبد الله يعالجه حتى أفاق فتاب إلى الله من إلقاء نفسه في التهلكة واقتدائه بمن ليس حاله كحاله وعدها كرامة بل القضية كلها كرامة له . وله تقاييد كثيرة ومنظومات شهيرة في عدة نوازل فقهية ومسائل أدبية وحكمية ، ومن نوادره أنه ارتجل يوما نظم قضية الأديب الذي كان في سفينة فيها ثلاثون رجلا نصفها مسلمون ونصفها كفار ، فاخترقت ولم تستطع غير حمل نصفهم فقالو تعالو نقترع على من يرمى في البحر ليسلم الآخر ، ونرموا كل تاسع منا ؛ فبات الاديب يدبر الحيلة التي يسلم بها المسلمون حتى تمت له عند الفجر وشاب رأسه لشدة تدبره أمرها ، فأوقفهم على كيفية وقال بسم الله الآن يرمى منا كل تاسع فرضوا وتعاقدوا الأيمان على ذلك فصار لا يقع التاسع الا على كافر ، حتى رمي بالكفار كلهم وسلم المسلمون . وتروى على كيفية أخرى بأنه يرمى السابع وأن المسلمون اثنان والكفار عشرون.

ونظم هو الروايتين ولا بأس بالإتيان بنظمه لغرابته وحسنه .
لله فكر لبيب شاب إذ جهده
تخليص مسلمة من مثلها مرده
كانوا على زورق لاما وقد خرقت
فلم تطق غير حمل النصف مرتعده
فأجمعوا الرأي أن يرموا بنصفهم
ليسلم النصف منقادا لما انتقده
يرمون تاسعهم في العد وانتظموا
والله يلهمه من فضله رشده
إذ دبر الفكر في ترتيبهم فرمي
بالمشركين . وكشف الأمر إن تُرِدَه
يُبدي بأربعة خمس فواحدة
من قبلها اثنان ثلث قبل متحده
فرد وثنتان ثم اثنان بعدهما
تأتي الثلاث خلال العدّ مطرده
فرد وثنتان ثم اثنان بعدهما
ثم اختم العدّ تحقيقا بمنفرده
وانسب لمسلمها الذكران وامض بها
نحو الشمال لكي تستأصل الجحده
ووارد جاءنا يدعى البشيرَ أتى
من نحو أيتِ حسينٍ ناقصا عدده
فالكل باء وكاف وهي قد عجزت
عن غير (باء) ولما آرِ مستنده
لكنه حسن قد زادنا عجبا
وعدُّ مسلمهم باء ولا تزده
يرمى بسابعهم من بعد ما تركت
خمس عن الباء جنبا فاقف معتمده
تستأصلن شافة الأعداء مقتبسا
من محكم الذكر صرف العسجد النّقده
وصلّ رب على الهادي وشيعته
وصحبه المصطفين القادة الزُّهده .
وكان يقول إنه لم يجد في جولانه من يأخذ ذراعه في فن حتى التقى في بلاد السودان مع عالم من علمائهم لايجارى ولا يبارى فأخذ معه في الفنون كلها وجالا فيها حتى أخذا في العربية فقال له السوداني لا انقم عليكم معاشر البظان إلا أنكم لا تقولون الشعر الجيد فأخذ عبد الله يحكي عليه في الأشعار المنتخبة من قوله وقول غيره من أدباء و علماء القبلة كامحمد بن الطلبة وابن محمدي والأحول ومولود وغيرهم فصار كلما انشده شيئا عارضه بما هو احسن منه من قوله أو قول غيره من علماء السودان حتى ظن أنه غلبه فأنشده قصيدة شيخنا أطال الله حياته في مدح أبيه الضادية التي مطلعها :
احي اشتاقي الأشواق مرتبضا
وآضه منهم ما ليس مرتفضا

وهي في ديوانه الشريف فمن شاء فليطلبها فيه ، فأعجبته وأقر بالعجز عن الإتيان بمثلها من قوله وقول غيره ، وسأله عن قائلها فقال له هو شيخنا الشيخ ماء العينين وأخذ يذكر له أوصافه ومحاسنه فقال والله ما كنت أظن أن هذا يقوله أحد من المتأخرين ولا يقوله أحد وهو حي بل لا يقوله إلا مهرة الفحول من العرب المتقدمين ، ثم أخذها منه وكتبها وقرأها ختى حفظها  وسلم له في أن البيظان أشعر من السودان . وقال له أن السوداني لا يقدر أن تنطق بالضاد فضلا عن أن تقول منه هذا الشعر الذي هذا وصفه في الحسن .
وله رضي الله عنه قضايا في التقدم في المحافل كثيرة وعند أهل بلاده شهيرة وقد أخذ عن شيخنا أطال الله حياته وتلمذ عليه وصاهره شيخنا ولله الحمد وظهر عليه الفضل والبركة ، وأولاده وكثير ممن يعرفه يحدثون عنه بكرامات كثيرة . وقد ضمن له أطال الله حياته أشياء ووقعت له ولله الحمد كلها وشاهدتها الناس ، منها الغنى وكثرة الخير والابناء الذكور
وحفظهم وسعادة الدنيا والآخرة . وسبب ذلك أنه كان بينه مع بعض قربائه خصومة في شيئ من المال حبس وحكم فيها كثير من الفقهاء له وحكم بعضهم عليه والراجح في الحقيقة حجته فأتى لشيخنا يريد أن يضع له يده على حجته ، فقال له أطال الله حياته إن شئت وضعت لك يدي وإن شئت نصحتك فقال بل انصحوني ، فقال له إنك إن اشترعت مع قربائك هؤلاء وغلبتهم واخذت المال تفقد قرابتهم ، والمال ليس بزائد لك زيادة مثل زيادة قرابتهم لك وإن تركته لهم تملكهم ملكا إلى يوم القيامة ولا يرفعون أبصارهم فيك بعدها أبدا ؛ فقال افعل له أفعل ذلك بشرط قال وما هو قال تضمن لي الغنى إلى آخر ما تقدم ، فقال له نعم أضمن ذلك على الله ، فقام من حينه وسار إليهم ولما رأوه مقبلا فزعوا لأنهم سمعوا أنه غلبهم وأتى يريد أن يأخذ المال ، فناداهم وقال لهم اشهدوا أني وهبت لكم هذا المال وتركته لوجه الله ، فانكبوا عليه يقبلونه ويدعون له فقال لهم لا تدعوا لي بل ادعوا لشيخنا الشيخ ماء العينين أطال الله حياته في العافية آمين فهو السبب في ذلك فانقادوا له ولله الحمد ولن يتعرضوا له أبدا بعدها بشيء ، ووقع ما قال أطال الله حياته حرفا بحرف .
وله أشعار لا تحصى في كل نمط ومدائح في حضرته الشريفة جمة ومما وجدت له قوله :
لما رأيت الخ …
وله ايضا يمدحه وهي آخر قصيدة قالها ، ولما اتصلت بشيخنا استرجع وقال إنه أشار لنا فيها بقرب أجله عند قوله ” ألا إني أقول القول زائرهم ”  وكان الأمر كذلك ولم يلبث إلا أياما قلائل وتوفي رضي الله عنه عام عشرين وثلاثمائة والف .
إن الأفاضل قد عمت فواضلهم
كل الأقاصي كما عمت مجاورهم
سارت بمدحهم الركبان قاطبة
شرقا وغربا لفضل كان غامرهم
إن يصطفي المجد من قوم منارهم
قوم اصاغرُهم تقفو أكابرهم
مهما تكن في بلاد الله مكرمة
كان الأمير بها من كان آمرهم
قوم إذا ازمة عن نابها كشفت
تنازعوها وقد شدو مآزرهم
وإن أتتهم على بأساء مغنمة
تدافعوها وقد أخفوا مفاقرهم
يعطون دون سؤال السائلين ندى
لم يُسمعوا سائلا جدوى معاذرهم
وينشبون إذا جار العتاة على
من قد اجاروا بمن جاروا اظافرهم
ويقطعون بأسياف يمانية
ممن يسومونهم بالخسف دابرهم
ابلغ مسايرهم يوما وسائرهم
يا من يبادرهم إن المبادر    هم
قوم مُنافرهم من ليس ضائرهم
بزت مَفاخرهم قدما مُفاخرهم
ولتبلغنهم عنّيّ مألكة
ألا فإني اقول القول زائرهم
لا يحسبوني فيما قلت شاكرهم
كلا فشكرهم يفني محابرهم .
.

.

.


هذه ترجمة للعالم السيد عبد الله ولد احمد ولد محمد سالم، بعثها الاستاذ الأستاذ عبد القادر ولد محمد نقلا عن كتاب الأبحر المعينية.

للإشارة الشيخ عبد الله بن أحمدو هو جد الشيخ النعمة بن الشيخ ماءالعينين من أمه هند منت عبد الله ولد أحمدو.