ملاحظات حول مقال المرأة الشنقيطية و نوازل الزينة و البدانة

بسم الله الرحمن الرحيم

فإن الحمد لله مثبت قلوب المؤمنين على طريقه، ومنير سبيل السالكين بنوره، نحمده تعالى على ما أنعم على عباده، بأن جعل لهم منهاجا يتبعونه، وأظهره حتى أصبح جليا لا يعدوه إلا جاهل أو مكابر ظالم لنفسه، وأصلي وأسلم على من بعثه هاديا لدينه، وعلى آله وصحابته، ومن تبع هديه من التابعين والعلماء العاملين وجعلنا من المقتدين لا مغيرين ولا مبدلين.

أما بعد،

فقد مدني أحد الإخوان بمقال حول نوازل الزينة والبدانة في مجلة المنهل، احتوى بحسب الظاهر، أخطاء وجب التنبيه عليها، وقد زودني، سلمه الله من كل ضير، بالمقال ودلائل تصحيحه، فلم يكن لي منه سوى التوليف، وطلب مني أن أحرر ما تيسر مع التخفيف، فعن لي بعد قراءته أن أوضح، مع قلة الباع وضعف الاطلاع، مسألة تعتبر من مهمات البحث العلمي الرصين، وهي التثبت من أقوال العلماء قبل البت والقطع بمراد المؤلف وقصده، وهي مسألة كثيرا ما يقع الغلط فيها بدون قصد أحيانا، أو لعدم الإلمام بموضوع البحث أحيانا، أو لتصدر من ليس من أهل الفن له أحيانا أخرى، أو غير ذلك من الأسباب. وأيا يكن السبب فمن الواجب على من وقف على مثل هذا أن ينبه عليه القارئ والمتتبع والباحث، فالحق أحق أن يتبع.

إن مسألة حكم وصل الشعر للمرأة مبثوث مشهور في كل كتب الفقه، وآراء الفقهاء في كل مذهب منتشرة موجودة في مظانها للباحث المتابع، وليس الغرب الإسلامي بمنأى عن أحكام الفقه المتعلقة بحكم المسألة المعروضة، وهم فيها ناقلون عن السلف بحسن التأصيل، مجتهدون في التنزيل، فالفتوى ليست سوى إجادة التنزيل لا كثرة القال والقيل. وقد أورد الباحث حسب ما أفاد، هدانا الله وإياه سبيل الرشاد، آراء علماء شنقيط “المجيزين” و”المانعين” لوصل الشعر للمرأة،[1] وعند حديث الباحث عن العلماء المانعين للوصل أورد الباحث فتوى للشيخ ماءالعينين حول مسألة الخرقة، واعتبره من المانعين، وهي فتوى مخطوطة في خمس صفحات نقل الشيخ فيها أقوال العلماء ووسمها بقوله: “…وسميتها المحققة في أخبار الخرقة”[2]، والواقف على الفتوى، بمجرد القراءة، يدرك أن الشيخ حقق القول أولا في المراد بالخرقة، وحرر محل النزاع، وأتى بأقوال العلماء في كل نوع من أنواع هذه الزينة، فنقل الإجماع على تحريم الوصل بشعر الآدمي، وذكر أقوال العلماء في غير ذلك بالتفصيل الوارد في الفتوى، أما ما عرفه الباحث في بداية تعرضه للمسألة فهو نوع واحد من هذه الأنواع، وقد ذكر الشيخ حكمه بقوله في نهاية الفتوى نقلا عن القاضي عياض: “اختلف العلماء في المسألة فقال مالك والطبري وكثيرون أو الأكثرون، الوصل ممنوع بكل شيء سواء وصلته بشعر أو صوف أو خرق، واحتجوا بحديث جابر الذي ذكره مسلم بعد هذا، أن النبي صلى الله عليه وسلم زجر أن تصل المرأة برأسها شيئا، وقال الليث بن سعد: النهي مختص بالوصل بالشعر ولا بأس بوصله بصوف وخرق وغيرها، وقال بعضهم يجوز جميع ذلك، قال القاضي: فأما ربط خيوط الحرير الملونة ونحوها مما لا يشبه الشعر فليس بمنهي عنه، لأنه ليس بوصل ولا هو في معنى مقصود الوصل، وإنما هو للتجمل والتحسين… ” إلى أن ختم الشيخ الفتوى ببيتين يقول فيهما:

فيا طالب التحريم هاك نصوصـــــــــه

ويا طالب التحليل هاك خلوصـــــــه

وإن شئت فانظر في البخاري وشرحه

وفي النووي فانظر لمسلم خصوصه”[3]

القارئ لفتوى الشيخ إنما يستفيد ذكر أقوال العلماء في المذهب وخارجه لكل نوع من أنواع المسألة المدروسة بغير نكير لأي منها على عادة الشيخ رضي الله عنه، ودليل ذلك الخلاصة المتضمنة في البيتين المذكورين، فالشيخ نقل أقوال العلماء في المسألة بعد تحرير محل النزاع، وحصر المجمع على تحريمه، وذكر أحكام المختلف فيه، فلو أن الباحث حدد المسألة المدروسة لوجد حكمها في الفتوى جليا واضحا.

ولا أريد أن أطيل في هذه العجالة بعد ظهور القصد، إنما أردت الدعوة إلى التثبت وتحقيق نسبة الأقوال إلى قائليها، وهو طريق ليس بالسهل، ولكنه يسير لمن ألهمه الله الصدق في الطلب وبذل الوسع مستنا بمذهب العلماء في قولهم “إن كنت ناقلا فالصحة أو مدعيا فالدليل”.

 

عبيد ربه وأسير ذنبه أحمد الهيبة بن الحسن

الجمعة 6 ربيع الآخر 1443 الدار البيضاء


الهوامش:

[1] معتبرا أن ما أسماه “أكافه” هو “الشرويطة” وهو أيضا الوصل الذي ناقشه العلماء، وهو أمر غير مسلم للباحث، حيث إن “أكافه” ليست سوى طريقة لتنظيم شعر المرأة قديما عند النساء، حيث تجمع المرأة شعرها إلى الأمام، قال الفقيه العلامة أحمد فال ول محمد لمين (الحسانيه):

شفت لكم ش ف الدهر طر    تكليبه ظهرت غريبه

كان اكاف زين للمــــــــــر    وتبدل عاد تكركيبه (بف)

وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن ما يسمى “أكافه” كان من زينة النساء الشرعية من غير تكلف ولا نكير، أما “الشرويطة” فهي ما عرفها الباحث باعتبارها زيادات من غير جنس الشعر، وما تشبيههم لها بالعمامة والخمار وهو ما ذكره الباحث إلا دليل على ذلك، وليست التسمية التي قد تختلف من منطقة إلى أخرى موضوع هذه الورقة.

[2] مخطوطة من خمس صفحات في حوزتي نسخة إلكترونية منها. ص 4.

[3] المحققة في أخبار الخرقة. ط ص4.

المقال: المرأة الشنقيطية و نوزال الزينة و البدانة