أحمد بابا بن عيْنينَا الحسني

من أولاد أعمرْ أكداشْ من فخذ أهل أكذوبكْ. أمه: ميمونة بنت أحمد الله ، ترجم له صاحب الوسيط في كتابه فقال: ” شاعر مطرب و سليقي يقول فيعرب… و رأيت له قصائد جيادا، في مدح الشيخ ماءالعينين، و ما حفظت منها شيئا. و مات في العشر الثانية في القرن الرابع عشر...”، كما ذكره صاحب النفحة الأحمدية و قدم له قصائد في مدح الشيخ ماءالعينين.

و في ترجمته يقول المؤرخ الطالب أخيار بن مامينا:
كان من فطاحل العلماء وكبار الأدباء، له اليد الطولى في الشعر، وهو رأس في اللغة والنحو والتاريخ وأيام العرب. وفد على الشيخ ماء العينين من بلاد بعيدة، ومكث معه مدة طويلة في “تيرس” و “الساقية الحمراء”، وتنقل معه كثيرا آخذا عنه الأوراد وبعض العلوم. وكان رحمه الله شديد التعلق بالشيخ ماء العينين لا يكاد يفارقه، ومدحه بالشعر الرائق. ولما أجازه وصدره إلى أهله قال له: “قد أعفيتك من زيارتنا، فلا تتجشم عناء السفر إلينا لبعد بلدك”، لما يعلم من ضعف بدنه، لكن الشيخ أحمد بعد سنوات من مقامه عند أهله، اشتاق إلى شيخه وقرر الذهاب إليه وهو لا يدري ما يخبئه الغيب؛ فامتطى ظهر قلوصه النعوب، فسارت تجوب به المهامه والفلوات حتى أصبحت ترى ماء العيون عيانا. إلى أن حط رحاله عصرا عند محلة شيخه ب”السمارة”، فأنشده قصيدته النونية الآتي ذكرها، وبات ليلته تلك. فلما كان من الغد توفي رحمه الله في بداية العقد الأول من القرن العشرين، وصلى عليه الشيخ وجمهرة كبيرة من علماء”السمارة” وأعيانها وبها دفن 
ولصاحب الترجمة رضي الله عنه مدائح كثيرة في جناب شيخه منها قصيدته المشهورة، التي أشرنا إليها، والتي يصف فيها رحلته إلى الشيخ ماء العينين، ويذكر فيها بلده الذي انطلق منه والمواضع التي مر بها، ويصف ناقته وقوتها وصبرها على السير طيلة المسافة البعيدة، ثم يتخلص إلى مدح شيخه، والقصيدة هي:

تلجْلَجَ عزْمي في الفؤاد زمانا || وما طلتُه أن لا يكون فكانا
وما كان عزمي في حيازم جُبَّإ || إذا همَّ بالأمر المُهمِ توانى
ولكنه في قلب شيْحانَ لم يكن || هيُوبا إذا هاب الجبانُ جبانا
أخو همة أنضى على السير جسْرة || نعُوبا إذا كلَّ العتاقُ هجانا
قليلةَ منكور العثانين والشَّوى || وما شان منها صهوة ولبانا
رعتْ ما رعت من مربع البيض وانتحت || لأوكار أو كار ووكر آكانا
تلاعا وأجزاعا رعتْهنَّ بعدما || قد استمطر الحوزاء والدبرانا
نهضتُ إليها نهْضة وسنامُها || كأن به من خيفة رجفانا
ترامتْ بنا من ساحة العُقل وارتوتْ ||عشيةَ خمْس من مياه دامانا
ومرت بأخفاف خفاف على الهوى || تثير بأرض الأرضيات عُثانا
تطير بنا بين العقاب كأنما || عليها عقاب أزْمع الطَّيرانا
فلما غدت أجبال تيرس خلفها || وأرطاتها ثارت بنا ثورانا
مُيممة هضْب الزفال يسارها || إلى جبلات صوب أم عبانا
فما زال بي إرَقالُها ووسيجُها || وإدمانُها الاسئادَ والذملانا
وجوْلاتها من فدفد بعد فدفد ||وتهيامها تغلي بنا غليانا
إلى أن تخطتْ ما تخطتْ وأصبحت || بحيث ترى ماء العيون عيانا
وحيث ترى من ليس يوجدُ مثلُه || ولا هو معروفُ الوجود الآنا
ومن فيه للعينين أرضُ محاسن || تفورُ بمرجان تفور جمانا
وللقلب منه بردُ معنى لو أنه || هُريق على النيران كن جنانا
ألا إنه الشيخ المربي إمامنا || أبو الفضل ما العينين عينُ مُنانا
وسيلتنا أكرمْ به من وسيلة || إلى الله في مانبتغي وبغانا
وروضتُنا الغنى وفارةُ مسكنا || ومزنتنا الهطلى ونَوْر رُبانا
إلى أن قال:
عرفنا طريق الحق من فعَلاته || وقولاته حتى استقام صغانا
وما زال يرعانا بعين عناية || تلاحظنا أمامنا وورانا
ويكسر سورات الهوى عن قلوبنا || ويدرأ عنا في نحور عدانا
ويدفع عنا من شرور نفوسنا || ويصفح عن زلاتنا وخطانا
إلى أن هدانا للسبيل وأدبرت || عَمايتنا عنا وزال عَمانا
ولسنا لضوء الصبح نحتاج إن بدا || ولا النيَّرات الساريات سرانا
وكنا إذا ما الغيث أخلفنا السما || مددنا إليه بالأكف بنانا
ألا ربَّ يوم جاد فيه على الورى || وما كان ممزوجا نَداه حرانا
فأعطى أوانا شطبة بلجامها || ومنجردا نهْد القطاة حصانا
وآونة يُعطي الهجان عقائلا || ويضرب منها في النحور أوانا
فيروي سنانا ظامئا من دمائها || ويملأ منها آصعا وجفانا
وكم من حقوق ما عليه أداؤها || تكفَّلها عمن سواه ضمانا
وكم من مقام نال فيه معزة || وقد نال فيه من سواه هوانا
أيا مالئ العينين حسنا وبهجة || ومالئ أسماع الندي بيانا
فرشني وثق نفسا بأنك واحد || وأنك قطب في الزمان زمانا
أما والذي أعطاك في الناس رتبة || تعز وأعلى في الورى لك شانا
لأنت الذي تعطي العطايا ثمينة || لعمري وما كانت إليك ثمانا
وأنت الذي عم الخوافق صيته || وأعيى عليه الخافق الطيرانا
وهي طويلة نكتفي بهذا القدر منها وله أيضا:
تأهب عنك أهبة ذي انطلاق || وشمر للرحيل إلى السواقي
ورحل كل عنس عنتريس || درور المشي في اليوم الرقاق
إلى أن قال:
ولما قابلتها القور هاجت || إليها لوعة ذات احتراق
وخامرها اشتياق في حشاها || لعرفان المعاهد والمساقي
فهمت بالسقاة وليس يسقي || هنالك غير ماء العين ساق
أبو الرأي الجزيل أبو اليتامى || أبو الخلق الجزيل أبو الخلاق
أبو الصيت الذي في الشام أمسى || وفي أرض الحجاز وفي العراق
نقي الجيب محمود المقاري || رحيب الباع بذال العتاق
خليف المصطفى وخليفتيه || على كف الأنام عن الشقاق
وناصر حزبه الحامي حماه || وحامله على سنن الوفاق
من أدبرت المخاوف عن ذويها || بطلعته وأقبلت المواقي
ومن ذهبت به عنا وسحقا || لها أم الغواية بالطلاق
وسرنا في الهداية وانطلقنا || إلى الطاعات من قيد النفاق
إلى أن قال:
فإنك في مكان صرت فيه || وأيم الله ما لك من لحاق
فبالله المهيمن لي يمين || وبالساري على متن البراق
لأنت الشمس في الإشراق لكن || عليها بالمعارف أنت راق
وأنت القطب والأقطاب طرا || إلى نعليك طامحة المآقي

 


المصادر :
أحمد بن الأمين الشنقيطي: الوسيط في تراجم أدباء شنقيط  ص 335، ص- مكتبة الخانجي – القاهرة، ومؤسسة منير – موريتانيا 1989.
أحمد بن الشمس: النفحة الأحمدية في بيان الأوقات المحمدية، ج 2 ص 108 و 109- مطبعة الجمالية – القاهرة 1330هـ/1911.

كتاب الشيخ ماء العينين علماء وأمراء في مواجهة الاستعمار الأوروبي؛ الجزء الأول، الطبعة الثانية ص 229،230،231. تأليف: الطالب أخيار بن الشيخ مامينا؛ منشورات مؤسسة الشيخ مربيه ربه لإحياء التراث والتنمية.)