رحلاته و حجه

حج الشيخ ماء العينين بيت الله الحرام سنة 1274ه الموافق للسنة 1858م، وله من العمر 28 سنة، وقد كان حجه أول سفر له من حاضرة أبيه الشيخ محمد فاضل بن مامين.

وعندما عزم الشيخ ماء العينين على أداء فريضة الحج، كان أهله ينزلون في موقع يسمى أنوَل في الحوض الشرقي، فسافر يوم 28 جمادى الأولى 1274ه الموافق للثاني من يناير 1858م، وفي طريقه مر ببلدة أنيوصكاي ثم شنقيط التي دخلها في اليوم الثالث من رجب حيث التقى بأخيه محمد المصطفى، وفي شنقيط وجد رفقة من إدوعلي وأولاد أبي السباع متوجهة إلى وادنون.

وصل الشيخ ماء العينين وادنون في 03 شعبان ( 20 مارس 1858) ومر بسوق سيدي أحماد وموسى الذي يقام في شهر مارس، ثم مكث أياما في بلدة تسمى تزروالت، بعدها اتجه إلى الصويرة، التي وصلها أواخر شعبان، لكن لم يتيسر له ركوب الباخرة، فمكث فيها إلى منتصف رمضان. وبعد مسيرة ثلاث أيام وصل إلى مراكش حيث أكرمه القائد سيدي أحمد بن ستة، ثم اتجه إلى الرباط فسلا حيث وجد سيدي محمد بن عبد الرحمن الذي استقبله بكامل الحفاوة وأهدى له من التحف والهدايا كريمها، ثم توجه إلى مكناس حيث التقى السلطان مولاي عبد الرحمن الذي استقبله أيضا بنفس الحفاوة وجهز له المركب إلى طنجة، ووصى واليها بأن يجعل له مكانا متميزا في الباخرة،. وفي ذلك يقول الشيخ ماء العينين “…ثم إنه أرسل إلى وكيله بطنجة أن يحملنا في البابور ويكسونا بمثل ما نحن لابسون….و يعطينا من الزاد ما يوصلنا إلى مكة”.

 ركب الشيخ ماء العينين الباخرة أربعا من شوال خلت 1274ه (19 مايو 1858م) قاصدا الإسكندرية، التي وصلها يوم 14 شوال، ثم مكث فيها ثلاث ليالي ليتجه نحو بحر قلزم (البحر الأحمر) بعد أن عبر بحر النيل، وركب من البحر الأحمر في 6 من ذي القعدة ليصل الميقات في 18 ذي القعدة فأحرم دون جدة وبين جدة ومكة مرحلتان.

دخول مكة:

دخل الشيخ ماء العينين مكة غدوة الأحد يوم 22 ذي القعدة 1274ه، فأقام بها خمسة عشر يوما، ثم خرج يوم التروية لعرفات ووقف فيه يوم الثلاثاء التاسع من ذي الحجة ثم شرع في باقي مناسك الحج.

وفي مكة، تحدث الشيخ ماء العينين عن لقائه بعبد الرحمن أفندي والقصة ذكرها الشيخ مربيه ربه في كتابه قرة العينين، وهي أيضا مذكورة في كتاب “نعت البدايات وتوصيف النهايات” وقد أستقبله وأكرمه وقدم له الكثير من الهدايا تعظيما لمكانته.

وفي مكة أيضا، عثر الشيخ على كتاب نفيس عن بيت الله الحرام اسمه: “البحر العميق في أخبار بيت الله العتيق”.

خرج الشيخ من مكة يوم الخميس لثمانية عشر خلت من ذي الحجة قاصدا المدينة المنورة لزيارة قبر الرسول عليه أفضل السلام. 

دخول المدينة المنورة:

دخل الشيخ المدينة ضحى يوم الأحد 5 محرم 1275ه، وبين مكة والمدينة انتشر وباء قضى على كثير من الحجاج غير أن الشيخ سلم منه هو ومن معه، وقد وصف الشيخ هذا الوباء (الكوليرا) كما في الفواكه: “إنه عبارة عن ارتشاف الدم وغور العينين وشدة العطش والإسهال”.

ومن أعجب ما شاهد الشيخ ماء العينين في هذا الوباء الذي اجتاح وفود الحجيج، هو أنه رأى رجلا يغسل من مات من الناس مقابل أجر يدفع له فاجتمعت لديه دراهم كثيرة، فلما أقبل العصر اتجه نحوهم، واتكأ على أمتعته وهو يحمل تلك الدراهم فأحس بالوباء فلما مات قبل غروب الشمس قال الشيخ ماء العينين: “فأُعطيت أجرة من غسله من تلك الدراهم التي كانت في يده”. 

أقام الشيخ ماء العينين في المدينة المنورة ثلاث ليال، زار فيها المسجد الحرام، بل ولم يبق موضع فيه إلا عرف قدره، والتقي الشيخ ماء العينين بعد أن انتهى من الحج والزيارة بالفقيه مولاي محسن المدني الذي أعطاه أشياء من أثار الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وذكر الشيخ مربيه ربه أن الشيخ ماء العينين كان يحتفظ بها في علبة صغيرة في جيبه وأنها دفنت معه.

رجوعه:

سافر الشيخ ماء العينين من المدينة يوم الأربعاء 8 محرم 1275ه، الموافق ليوم 19 أغسطس 1858م، حتى وصل موضعا على شاطئ بحر السويس يقال له” الوجهة”…ثم واصل السفر إلى مصر (القاهرة) فبات فيها ليلة واحدة، ثم ركب القطار إلى الإسكندرية ضحى وسماه “بابور البر”، كما في رحلته، ووصل الإسكندرية عند صلاة العصر في اليوم نفسه، وذكر أن بينهما مسيرة سبعة أيام للجمال وأن القطار يقطعها في سبع ساعات، ووصف الشيخ القطار ومن يركبه من الناس وسكة الحديد حيث قال:

” وقد ركبنا الذي بين مصر والاسكندرية، ركبناه ضحى كبيرا ونزلنا بالإسكندرية في أول عصرنا في ذلك النهار، ويحمل من الناس والتجارات ما لا يوصف كثرة ثم ذكر أنه يحمل مع الباشا ثلاثة آلاف من الجنود بسلاحها وفرشها…، وأغرب من هذا كله أن طريقه التي يسير عليها ليست إلا طريقا واحدة مصنوعة له ومفروشة بصفائح من حديد”.

كما شاهد الشيخ واطلع على كثير من الاختراعات الحديثة، كالتلغراف وعلى مطاحن الحبوب، وعلى مشروع قناة السويس، فقال ما مفاده أنه في المشروع يعمل الكثير من المسلمين واليهود والنصارى وأن أجرة اليهود والنصارى تفوق أجرة المسلمين.

مكث الشيخ في الإسكندرية خمسة أشهر وبعض السادس، وفيها أصابه الجدري إصابة خفيفة لكنه لم يترك على محياه أثرا وفيها ألف كتابه “منيل المنح” في النحو، سافر في الثاني عشر من شعبان بحرا قاصدا طنجة، التي وصلها في الرابع والعشرين منه من عام 1275ه (2 إبريل 1859م)، ثم توجه إلى مكناس حيث مكث تسعة أيام التقى بالسلطان مولاي عبد الرحمن الذي أهدى له هدايا قيمة، اتجه بعدها إلى مراكش ووصلها في أواخر رمضان ومكث فيها قرابة شهرين. وفي الثاني عشر من شهر ذي القعدة (14 يونيه 1859م) خرج الشيخ من مراكش متوجها إلى أهله.