السيرة و النشأة

الاسم:

اتفق على أن اسمه “سيدي المصطفى” سماه به والده الشيخ محمد فاضل على اسم شيخه العلامة سيدي المصطفى بن عثمان بن محمد الكيحل. هناك من يطلق عليه مصطفى دون سيدي وهو خطأ وهناك كذلك من يطلق عليه اسم محمد المصطفى وهو أيضا خطأ لأنه اسم أحد إخوته.

اللقب:

لقبه هو: “ماء العينين” ثم أضيفت له صفة الشيخ بعد أن صدره والده فصار مشهورا على ألسنة الناس، بلقب: “الشيخ ماء العينين” وحتى الذين كتبوا عنه من الفرنسيين والإسبان وغيرهم يذكرونه بهذا اللقب في الغالب وقد يحذف بعضهم صفة الشيخ.

ولا يعرف أحد قبل الشيخ ماء العينين بهذا اللقب، يقول الشيخ النعمة بن الشيخ ماءالعينين في لقب والده “وسمعته يقول أنه قال له أبوه شيخنا الشيخ محمد فاضل رضي الله تعالى عنه أنه سماه ماءالعينين لمعنيين أحدهما أن الناس إذا كانت تشرب الغدران وغارت عنها يبقى ماء العيون وهي الآبار ونحوها يبقى لها تشربه لا تغور والثاني أن ماء العيون وهي ونحوها يسقي كل شيء مر عليه على حاله وينتفع به كل أحد وكل شجر ولغير ذلك من المعاني”، و في كتاب الطالب أخيار بن مامينا أن أول من أطلق عليه هذا اللقب أمه “مَنَّ”.

الكنية:

ليست هناك كنية للشيخ ماء العينين محددة ومتفق عليها، وإنما أورد بعض من كتبوا عنه أو تحدثوا عنه كنى مختلفة منها: أبو عبد الله، وأبو محمد، وأبو الأنوار، وأبو المودة، والأصل في الكنية أن ترتبط بالابن الأكبر في الغالب، وهل في أبناء شيخنا الشيخ ماء العينين الكبار من اسمه يتفق مع احدى هذه الكنى؟.

النسب:

الشيخ ماء العينين هو سيدي المصطفى بن الشيخ محمد فاضل بن الشيخ محمد الأمين ” الملقب مامين” بن الطالب أخيار بن الطالب محمد بن الجيه المختار القلقمي الإدريسي الحسني.

المولد:

ولد يوم الثلاثاء السابع والعشرين من شعبان سنة 1246ه الموافق ليوم 11 فبراير 1831م، وفي ذلك يقول:

في عام رومش بشهر شعبان
يوم الثلاثا مقيلا والشكور
  في يوم كز مولدي وذا استبان
أشكره لنعمتي مدى الدهـــــــــور

والدة الشيخ ماء العينين هي: “منينة” التي اشتهرت بلقبها “مَنَّ”، بنت المعلوم بن سيدي من قبيلة إدَوِيجَ، وقد تزوجها الشيخ محمد فاضل أيام دراسته عند خالها العلامة سيدي المصطفى بن عثمان بن محمد الكيحل، فقد تتلمذ عليه الشيخ محمد فاضل ولازمه حتى أجازه في العلوم الشرعية وهو الذي سمى عليه ابنه الشيخ ماء العينين كما تقدم.

نشأته:

نشأ الشيخ ماء العينين في كنف والده وتتلمذ على يديه وأخذ عنه العلوم الشرعية والسلوك، حفظ القرآن برواية ورش وهو ابن عشر سنين على السيد عبد الباقي بن أحمد بن اعلي مولود المَسُّومِي، ثم أعاد حفظه تجويدا بالقراءات السبع، وأخذ الإجازة ولم يبلغ الحلم، ثم جد في طلب العلم على يد والده وشيوخه كالشيخ محمد فاضل بن الحبيب اليعقوبي،، الذي أخذ عنه بعض الأبواب من “مختصر خليل”، وبعض النصوص الفقهية، ثم صرف وقته في تحصيل العلم وإتقان العلوم المتداولة في زمنه وفي ذلك يقول الشيخ محمد عبد الله بن تكرور منوها بعلمه وسعة حفظه ” وكان أطول من رأيناه وسمعنا به باعا في العلوم، تفقه في صغره على أبيه…و أخذ عنه علم اللغة والنحو والحديث والأصول…وكان يحفظ كثيرا عن ظهر قلبه….مختصر خليل …الألفية … الجوهر المكنون في الثلاث فنون….”، ويقول في الكتب التي قرأها:” وقد قرأ على أبيه الكتب التي قدمنا وقرأ عليه جمع الجوامع في علم أصول الفقه للإمام ابن السبكي مع شرحه…وقرأ عليه أيضا موطأ مالك…كتاب” تيسير الوصول إلى جامع الأصول”…و “مراقي السعود”…”الميزان” للشعراني و”رحمة الأمة للصفدي” و”بداية المجتهد” لابن رشد و”قوانين” ابن جزي و”كشف الغمة”، كما قرأ عليه الكتب المختصة بالمذهب….”مجمع الأنهر شرح ملتقى الأبحر” …”التقريب” …”الغنية”…

ثم تصدر للتدريس والإفتاء في مدرسة والده، وفي ذلك يقول مريده محمد العاقب بن مايابى: ولما قرأ جميع المتون وتفنن في العلم انتصب للإقراء والتعليم بحضرة أبيه، وقد أمره بذلك وجعل عليه ثلاث مدارس”.

وكانت دراسته كلها في مدرسة والده لم يرحل في طلب العلم إلى أي بلد كان، وفي ذلك يقول العالم محمد العاقب بن مايابى: ” فاعلم أن شيخنا الشيخ ماء العينين قد فتح الله عليه من فتوحاته الربانية …..والفهوم التي تجيش إليه لم يتغرب لطلبها إلى الأماكن القاصية ولم يتعلمها من المشايخ الأجنبية، بل لم يخرج عن حجر والده وأستاذه حتى استكمل العلوم الشرعية وسائر العلوم النقلية والعقلية…..وقد سمعته يقول: ‘نه مع طول جولانه في البلاد وكثرة محاورته العلماء ومطالعته الكتب لم ينتفع بكثير فائدة زيادة على ما أخذه من العلم قببل مسيرة عن أبيه”

رحلته:

بعد أن أجازه والده الشيخ محمد فاضل بن مامين وصدره، رحل قاصدا حج بيت الله الحرام، وهو بن 28 سنة، فسافر يوم الخميس 28 جمادى الأول عام 1274ه (وفي رواية أخرى 12 جمادى الأولى)، الموافق لسنة 1858م، فمر في طريقه إلى الحج عبر المدن والبلدات: شنقيط، وادنون، الصويرة، مراكش، الرباط، سلا، مكناس، طنجة، الاسكندرية، جدة، مكة، المدينة المنورة، كما استقبله كل من خليفة السلطان سيدي محمد بن عبد الرحمن وكذلك السلطان مولاي عبد الرحمن.

رحلة مكنته من الاطلاع على أحوال العالم الإسلامي والمستجد فيه، ومن تطور الحياة وبلوغ الغرب أبواب الشرق بمدنيته وعلومه وتقدمه…، كما  مكنته أيضا من ربط علاقات وطيدة بملوك الدولة العلوية وأمرائها وقادتها، ففي عودته مكث أياما في مكناس مع السلطان مولاي عبد الرحمن، ثم انتقل إلى مراكش حيث خليفته مولاي سيدي محمد، التي خرج منها يوم الاثنين الثاني عشر من ذي القعدة من عام 1275ه الموافق لسنة 1859م، حيث انتقل إلى  تجكانت في بلدة ” اقيدي” ومكث معهم أربعة أشهر، ثم سافر إلى تندوف ثم توجه إلى الساحل ووصل إلى بعض “لعروسيين” وبعض “أولاد أدليم” ومكث فيهم خمسة عشر يوما، وفي طريق عودته، توقف في أدرار ليزور ابن عمه الشيخ محمد فاضل بن محمد، ثم رجع إلى تندوف مرة أخرى ومناطق وقبائل أخرى من بلاد الساحل.

وفي سنة 1277ه سافر إلى أدرار حيث التقى مجددا ابن عمه الشيخ محمد فاضل بن محمد، ومكث عنده ثلاثة أيام، وعند عودته إلى الحوض، أشار إليه الشيخ محمد فاضل بالرجوع إلى الساحل.

وفي طريقه إلى الساحل قدم على قبيلة أهل الفاغ خطاط سنة 1277ه وتزوج ميمونة بنت أحمد علي، وفي آخر هذه السنة قدم على لعروسيين، وفي استقبالهم له يقول الشيخ ماء العينين كما في مسموعات الشيخ النعمة ” لما أتيت هذه البلاد، تلقوا لي ولله الحمد بأنواع التبجيل والإكرام، وتتلمذوا علي، وقالوا لي ما قالت الأنصار له صلى الله عليه وسلم: نمنعك مما نمنع منه أنفسنا وعيالنا….”

وخلال المدة التي قضاها الشيخ ماء العينين في قبيلة لعروسيين انثالت عليه جموع الناس، فأشارت عليه زوجته مليكة بنت الدرجة بالانتقال بمن معه والسكنى وحده غير بعيد من القبيلة.

وفي سنة 1281ه الموافق لسنة 1864م سافر متوجها إلى الحوض للسلام على والده ثم رجع إلى أهله الساقية الحمراء، فلما وصلهم بنى داره في تلك البلاد، وفي سنة 1290ه الموافق لسنة 1873م انتقل إلى مراكش فاستقبله السلطان مولاي سيدي محمد بن عبد الرحمان، كما سافر إلى الحوض سنة 1294ه قبل وفاة والدته من منت المعلوم بمدة يسيرة وبقي في الحوض حتى توفيت والدته، وصلى عليها، ثم انتقل إلى تيرس سنة 1295ه.

وفي عام 1304 قدم على السلطان مولاي الحسن بمراكش، فاستقبله بكريم الحفاوة والتبجيل، وفي عودته توطن الساقية الحمراء، ولبث بوادي اقريزيم ستة أعوام، ثم ارتحل إلى مكان بنواحي السمارة.  وحري بالذكر أن علاقة الشيخ ماءالعينين مع ملوك و أمراء الدولة العلوية الشريفة كانت علاقة روحية متميزة ، و في ذلك يقول جعفر بن محمد الناصري عن ذلك ” وأشهر مشاهير المتبركين بأوراده والآخذين عنه: الملوك الخمسة الذين عاصرهم وعاصروه، وعاش عمره الطويل زمنهم وقوبل بالبر والكرامة والحفاوة في بساطهم وهم : المولى عبد الرحمان بن هشام وولده المولى محمد بن عبد الرحمن وابنه المولى الحسن وولداه المتوليان الأمر بعده، المولى عبد العزيز والمولى عبد الحفيظ رحمهم الله. ( للمزيد  علاقة الشيخ ماءالعينين بأمراء و ملوك الدولة العلوية الشريفة)

بناء السمارة:

اجتمع حول الشيخ ماء العينين خلق كثير، وتوافد عليه وجهاء القبائل  وطلبة العلم من شتى المناطق، لأجل ذلك بدأ الشيخ في بناء نواة حضرية لمجتمعه الكبير (مدينة السمارة)، حتى تكون قلعة للجهاد ورباطا للعلم، وهنا نقف عند شهادة محمد الأمين الشنقيطي في كتابه الوسيط في تراجم أدباء شنقيط حين يقول: “وقد اجتمعت به… ورأيت منه ما حيرني، لأنه أقدر من معه في وادي السمارة من الساقية الحمراء – الصحراء – بعشرة آلاف شخص، ما بين أرملة ومزمن، وصحيح البنية، وكل أصناف الناس وكل هؤلاء في أرغد عيشة، كاسيا من ذلك الشيخ، ويزوج الشخص ويدفع المهر من عنده، ويجهز المرأة من عنده، مع حسن معاشرته لهم، ولا فرق عنده بين ولده والمحسوب عليه….”.

بدأ الشيخ ماء العينين في بناء قصبته وحاضرته السمارة أو الصمارة كما في بعض المخطوطات يوم الرابع محرم من سنة 1316ه، واختلف في اليوم فحسب الوثيقة التي بين أيدينا الأحد الرابع من محرم، في حين يرى المؤرخ الطالب أخيار بن الشيخ مامينا أن بناءها كان يوم الخميس الرابع من محرم، مستندا لكتاب التوفيقات الإلهية في مقارنة التواريخ الهجرية، واستكمل بناؤها في محرم 1321ه الموافق أبريل 1903م، الغريب أن المخطوط أسفله يذكر أن أحد المشرفين على بناء الزاوية توفي سنة 1320ه بعد إتمام البناء، في حين يقول المؤرخ الطالب أخيار أن بعد وفاة الحاج علي الوجدي سنة 1320، استمر كل من المهندسين عبد القادر الفكيكي والحسين الحرطاني الوعروني حتى أكملا البناء،، فاتح محرم 1321ه، ليرتحل إليها شيخنا ويدخلها ويتكامل دخوله السمارة يوم الخميس الخامس والعشرين من الشهر نفسه.

وفي بنائها يقول الشيخ النعمة “ودخلنا فيها قصد السكنى في ثمانية وعشرين من…… عام 1320ه وتكاملنا فيها 1321ه من القرن المذكور وأعاننا الله بفضله.”

استقدم الشيخ مواد البناء من الصويرة عبر طرفاية، ثم حملت بالجمال إلى السمارة، وأرسل السلطان مولاي عبد العزيز الذي بعث بمواد البناء، مهندسين وحرفيين مهرة لبناء الزاوية، ومن بين هؤلاء علي الوجدي المذكور في المخطوط أسفله، والذي توفي سنة 1320ه، والحاج عبد القادر الفكيكي…

عمر الشيخ ماء العينين حاضرته، فخصصت حظائر خارج القصبة للإبل والأغنام، تحلب ويذبح منها وينحر بشكل ويومي، وشيدت أفران وحفرت آبار إلى جانب غرس النخيل والزرع، واجتمع حول القصبة خلق كثير بخيامهم …كل ذلك نفقته من مأكل وملبس على يد الشيخ، وفي ذلك يقول أحمد باب بن عينينا من قصيدة في مدح الشيخ:

فتى عال الرجال وحيث عالوا    تحمل عنهم مؤن العيال

وقد وصف الرحالة كامل دولس خيمة الشيخ ماء العينين كيف تتوسط مئات الخيام والناس من جهات أربعة يقدمون عليه، وقد رآه حسب شهادته يوزع عليهم الثياب والطعام…

بجانب الزاد والتسيير الحسن، كان الشيخ ماء العينين مواظبا على تلقين وتدريس العلم بفروعه وحضور حلقاته، وفي ذلك يقول ماء العينين بن العتيق:” وكان يرتب معلمين قادة حفاظا، في حضرته الشريفة لتعليم أولاده الصغار وسائر صغار حضرته، ومن أحب التعلم من سائر الناس. والأغلب في المعلمين أن يكونوا من أقاربه أو تلامذته…..وهو رضي الله عنه القائم بشؤون تلك المدارس ومؤنها وما تحتاج إليه….”، ومن أبرز من كان يعلم في مدارسه: ابنه الشيخ اشبيهنا والحضرمي بن الشيخ أحمد والشيخ محمد بن امبالة  التيشيتي والشيخ أحمد بن الشمس، والعتيق بن محمد فاضل، ومعيني بن الشيخ أحمد وزين بن البكاي القلقمي، ومحمد محمود بن سيدي بن عمار، والشيخ محمد بابا الديماني، وعبد الله بن باريك الجكني، وأحمد فال بن محمد الامين اليعقوبي، والشيخ سيدي محمد بن حامني الغلاوي، والشيخ محمد بن محمد المختار بن اعمر الاعيشي….و قد كان عددهم يزيد على المائتين.

وكان له مجلس خاص غالبا ما يكون في المسجد، فمثلا بعد العصر كان الشيخ ومريدوه يشتغلون بالحديث من صحيح البخاري أو موطأ مالك…وفي ذلك يقول مريده الشيخ محمد عبد الله بن تكرور اليعقوبي:

سماع أذني بعد العصر في النادي….مافي البخاري مما قال الهادي

يمليه خير فتى سمح شمائله…..ماء لأعيننا للخير مصطـــــــــــادي

أشهى إلي من الدنيا وزخرفها….وقينة تستبي من حســــــــن ترداد

ومع اشتغاله بالتدريس والحث عليه وإحياء مدارسه، كان الشيخ حفيا رفيقا بمريديه، يقول الشيخ محمد العاقب بن مايابى:” كان شيخنا حفيا بالتلاميذ رفيقا بالمريدين، يرحم الضعيف ويعظم الشريف، ويعلم مصالح الناس ويسوسهم على قدر طاقتهم ويخاطبهم على قدر عقولهم….وكان يربي مريديه بمقتضى الكتاب والسنة، فيأمرهم بذكر الله سرا وعلانية…”، وكان لشيخنا رضي الله عنه آلاف عديدة من التلاميذ، ولا تكاد تجد واحدا منهم إلا وظهرت عليه سيم الصلاح وعنوان الفلاح، على تفاوتهم في ذلك، واختلاف مشاربهم، وتنوعات مقاماتهم، لجمعه لجميع طرق الأولياء، وإعطائه أتباعه جميع أورادهم كما قال في نظمه:

إني مؤاخ لجميع الطـــرق              أخوة الإيمــان عند المتقـــي

ولا أفــــــرق للأولــــيـــاء               كمـــن يفـــــرق للأنـــبيـــاء

فحقيقة طريقة شيخنا هي طريقته رضي الله عنه كما قال في آخر نظمه “إظهار الطرق”:

هذه طريقتنـــا خذهــا وضابطها     مستحسن الشرع لا ســـواه فاتبع

يقول الشيخ محمد الإمام بن الشيخ ماءالعينين  في وصف والده ” و كان رضي الله عنه لا يتعرض للكلام في أحد، و لا ينكر على شخص معين، بل إن وجد لفعله مخرجا يعتذر عنه، و يلتمس له وجها جميلا، و ألا فينصح نصحا عاما، و يتكلم كلاما مجملا يفهم من المقصود، و كان لا يقبل من أتباعه و مريديه إلا الاستمساك بصريح الشريعة و المتواتر من النصوص الذي لا يقبل تأويلا، و كان يكره البدع و يحذر منها و كان كثيرا ما يقول: الخير كله في الاتباع و الشر كله في الابتداع..”

وقد كانت تلامذة شيخنا حريصين على خدمته، متنافسين فيها. ويرون الجد فيها غنيمة، والتقصير عنها حرمانا. وكان تلاميذه على أنواع شتى وطبقات مختلفة، فمنهم الأولياء الكمل الذين وصلوا على يديه، واستوجبوا المشيخة لما غمرهم من فيضه ومدده بعد مصاحبته وخدمته، فصدرهم لنفع العباد”

ويصف الشيخ محمد العاقب بن مايابى صحبة هؤلاء المريدين لشيخنا:

     دخلنا تحت بيعته لدى ما …وجدنا الدين متسع الفجـــــاح

 ومن يجعل بضاعته تقاه….لعمر الله أيقـــــــــــــن بالرواج

نجالسه ونشرب من هداه….كؤوس الحب لا جرع المجاج

ونقتبس المعارف من سناه…كما اقتبس السراج من السراج

إذا نلت العلوم بغير تقوى….فقدر أنها شبه العجـــــــــــــــــاج

فمن وجد السلاسل ليس ترضى….طبيعته الورود إلى الأجاج

كان الشيخ ماء العينين متعلق الخاطر بالكتب، باحثا عنها ساعيا في جمعها، حتى أنشأ مكتبة كبيرة، يقول فيها ابنه الشيخ اشبيهنا عندما زار زاوية عبد الله المريني بوادي درعة واطلع على خزانتها: “وقد كنت أظن أن ليس عند أحد ما عند أبي وشيخي الشيخ ماء العينين، من مشاهير الكتب وغوامضها، وشواردها وغرائبه….

كما ألف الشيخ ماء العينين في مختلف صنوف العلوم والفنون، من تفسير وحديث وعقيدة وتربية ( انظر باب إنتاجه العلمي والأدبي)

وعن خلقه وأدبه، وتوكله على الله، يقول الشيخ محمد العاقب بن مايابى: “وقد شاهدنا فيه من الأدب وحسن الخلق ما لم نشاهده في أحد قط، فلا يتكلم أحد وهو يتكلم إلا قطع حديثه وأصغى أذنه إلى المتكلم، ولا يريد أحد مناجاته إلا أراد القيام إليه من مجلسه، فقد ناداه يوما أعرابي غليظ الطبع، فناداه بأن يقوم إليه فقام إليه تلميذ ضعيف مجذوب ولطمه في الوجه فولى الأعرابي فقال شيخنا للتلميذ ألحقه وقل له: يقتص منك فأبى الأعرابي فقال شيخنا للتلميذ: اجلس فإنا لا نخاف إلا الله. فالأولى من عدله ورفقه، والثانية من صدق توكله على الله، واعتزازه به.

وهذا الوصف هو وصفه الشهير ومعقله الكبير، فقد شاهدت فيه منه العجب العجاب والأمر الغريب، فإنه يقول –للتلاميذ إذا سافروا في أرض اللصوص وقطاع الطريق- إياكم والانتساب إلى أحد والانتصار بمخلوق، فلا أعز الله تلميذا لنا يتعزز بأحد غير الله تعالى .

حينما أطل رأس الاستعمار من بوابة الجنوب، بعث الشيخ ماء العينين رسائل التحريض لمختلف القبائل في بلاد شنقيط يحثها على الجهاد ومقاطعة النصارى، وقد كان حلقة وصل بين المجاهدين في الجنوب وبين إمارة المؤمنين في الشمال، فراسل السلطان في فاس ليدعم المجاهدين بالسلاح والعتاد.

وعن دور الشيخ ماء العينين في الجهاد ضد الفرنسيين يتحدث الرائد GILLIER فيقول: “إن الرجل الذي سيكون أخطر عدو لنا في موريتانيا هو شيخ السمارة، فقد برز جليا للعيان بعد مقتل كوبولاني. فإنه هو الذي من زاويته ينظم المقاومة ضدنا، فقد كتب إلى كل مشايخ موريتانيا يستحثهم على حمل السلاح، لمقاومة تقدمنا…”، إلى أن يقول “وبدعم من سلطان المغرب”.

وفاته:

توجه الشيخ ماء العينين في يوم الخميس 12 من شهر ذي القعدة سنة 1327ه إلى تزنيت، ودخلها ربيع الأول عام 1328ه، وفيها توفي رحمه الله منتصف ليلة الثلاثاء 12 من شهر شوال عام 1328ه، الموافق ليوم 11 اكتوبر سنة 1910م، ودفن بها رحمه الله.


ملاحظة:

هذه السيرة مستقاة من الكتب التالية:

    • كتاب الشيخ ماء العينين علماء وأمراء في مواجهة الاستعمار الأوروبي؛ الجزء الأول، الطبعة الثانية ص 220. تأليف: الطالب أخيار بن الشيخ مامينا؛ منشورات مؤسسة الشيخ مربيه ربه لإحياء التراث والتنمية.

    • المحيط بالمهم من أخبار صحراء المغرب و شنقيط الجزء الثاني لمؤلفه جعفر بن أحمد الناصري